الحضور والغياب في زمن الكورونا

“لا أعرف أحداً رأى فيروس كورونا جهرة أو بالسر، لكني أعرف كما الكثيرين أوصافه وأفعاله، آثاره و طرقاته التي مر منها، حياتنا التي تبدلت بحضوره هي الدليل عليه”

أثير السادة (٢٠٢٠). يوميات العزل الصحي ١٦. صفحة الفيسبوك

في بلد صغير مثل البحرين، حيث لا تتجاوز المسافة بين ساحله الشرقي والغربي ٢٠ كيلومترات . تُمثل العلاقات الاجتماعية عصب الحياة، لقد تشرب أهل هذا البلد أهمية الحضور في المكان والزمان لمختلف المناسبات الاجتماعية، الدينية، الوطنية، وغيرها.
تأتي التجمعات العائلية الاسبوعية في أعلى هرم العادات الاجتماعية في البحرين، حيث تجتمع العوائل من غير كلل أو ملل في بيت الجد والجدة، لتشمل هذه التجمعات الاسرة الممتدة من أبناء العمومة. كما لا يخلو حفل زفاف من المهنئين أو مجلس عزاء من المعزين، حضورهم أداءٌ للواجب! وإن غابوا فعذرهم معهم.
شهد الجميع كيف فرض وباء كورونا تحولات محورية في نسق الحياة في شتى بقاع العالم، لم تكن البحرين بمنأى عن ذلك، فمذ أن حط رحاله (فايروس كورونا) في البحرين أخل بعصب الحياة، ليفرض الغياب على سطوة الحضور في المجتمع البحريني. تلك الدوافع التي تدعو البشر للتواصل، من حب، اهتمام، عاطفة، وشعور بالمسؤولية تجاه الآخر، هي نفسها تدفعنا للتباعد اليوم عن من نحب، أو الغياب عن أحداث نهتم بها. 
وفي غمرة انشغال الناس بمتابعة الاحصائيات اليومية لعدد المصابين والمتعافين، وكأننا في سباق مع الزمن لمن يتخلص من هذا الوباء أولا! قام مجموعة من المصورين على توثيق مشاهد الغياب والحضور في الحياة اليومية، تنوعت هذه الأعمال لتسلط الضوء على العائلة، أمٍ قريبة بعيدة في آن واحد، احتضان حبيب غاب طويلا، الموت وحيدًا، سكون شوارع المدينة، مجالس ومقاهي خلت من روادها. 

محمد ضيف

سار، البحرين. مارس ٢٠٢٠.

تترأس زوجتي د.إجلال العلوي عيادة الفحص لفايروس كورونا للمخالطين من داخل البحرين بعد ان بدأ الوباء بالإنتشار عالمياً. وكباقي جميع الطاقم الطبي، تقضي جل يومها في العيادة من الصباح الباكر وحتى وقت متأخر من الليل. الأمر الذي لا شك يؤثر على أسرتنا، فنحن نقلق عليها يومياً من خطر التعرض للإصابة بالفايروس والذي لو حدث (لا سمح الله) فإنه وبكل سهولة سينتقل لنا جميعاً. ناهيك عن أثر تركها للأولاد والذي بدأ يؤثر على تحصيلهم العلمي. أحاول أنا أن أسُد الفراغ الموجود، لكن تبقى هنالك جوانب لا يمكنني القيام بها بمثل كفائتها، خاصةً الأمور المتعلقة بالإلتزام في جدول الدراسة الإفتراضية. 

في المقابل ترى زوجتي  أن لا بأس في ذلك بل وتجد متعة في الوقوف إلى جانب وطنها في فترة حرجة تتطلب تضحيات من الجميع. نستقبلها بمجرد سماع صوت بوابة المنزل كل ليلة لنطمئن عليها، خاصةً انها لا تستطيع ان ترد على مكالماتنا خلال اليوم بسبب ضغط العمل.  ولكنها تُبقي مسافة الأمان بالرغم من اشتياقها لاحتضان يوسف ومؤيد بعد يوم شاق. سرعان ما تمسك بهاتفها مرةً أخرى لتقرأ نتائج تحاليل المختبر وعدد الزيادة من المصابين بالفايروس. ومن بعدها تبدأ الاتصالات بفريقها مرة أخرى للتخطيط لليوم التالي.

يطول انتظار يوسف ومؤيد كل يوم و كل ليلة ليستقبلوا أمهم في وقت متأخر، حيث ان الأيام الأولى من بدء تشغيل عيادة فحص فايروس كورونا كان يتطلب الكثير من الوقت والجهد لوقت متأخر من الليل. © محمد ضيف
© محمد ضيف
© محمد ضيف

كل نشاطها بعد رجوعها البيت لن يستمر اكثر من ساعة حتى يأخذها الإرهاق للنوم وحتى تستطيع مواصلة العطاء فإنها ستحتاج إلى ساعات كافية من الراحة. وفي الليالي التي تستطيع قضاء وقت أطول معنا (وهي نادرة جداً) أحاول ان اجعلها تفضفض عن مشاكلها و همومها بل انني بدأت مؤخراً ابحث كثيراً في علم الفيروسات وهذا يجعل الحديث ممتع.
في يوم ١٧ مارس ٢٠٢٠ ذهبت للفحص في العيادة بعد ان بدأت علي آثار سعال خفيف وقد لفت نظري الاستثنائية في قيادة زوجتي للعيادة والذي جعلني فخورًا جداً. تمنيت كثيراً لو أستطيع تصوير و توثيق ما يحدث هناك لأن جهد الطاقم الطبي يستحق الإشادة.
ولأنها لا تستطيع الرد على مكالماتنا،عادةً ابعث لها رسائل واتساب اعبر فيها عن مدى فخرنا وحبنا لها. أما هي فتقول أنها تفرح كثيراً بالرسائل وأنها تقرؤها عدة مرات متى تسنى لها الوقت لانها ترفع معنوياتها وتنسيها التعب.

بعد قرار تعليق الدراسة في المدارس والجامعات، بدأت بعض المدارس بتفعيل الدروس الافتراضية ولحقتها بقية المدارس مع اختلاف استعداداتها. يبدأ أبناؤنا (يوسف ومؤيد) يومهم بالدخول إلى بوابة مدرستهم الإلكترونية واكمال التمارين والواجبات. العملية ليست خالية من العيوب خصوصاً مع ميلهم إلى اللعب والتسيب قليلاً مستغلين غياب الأم كعادة جميع الأطفال.

© محمد ضيف
يأخد يوسف (الصف التاسع) العملية بجدية اكبر من مؤيد (الصف الثالث) حيث يجد الأخير في الملهيات الأخرى متعة اكثر كما انه يتمتع بشخصية متمردة نوعاً ما أجد صعوبة في السيطرة عليها. © محمد ضيف
لم نستطع هذه السنة من الاحتفال بعيد الأم مع بعضنا حيث ان زوجتي تقضي جل وقتها يومياً في عيادة فحص فايروس كورونا. لكنها استلمت هديتها من فريقها أثناء العمل في العيادة ومن عائلتها بعد رجوعها المنزل. © محمد ضيف

زينب الزين

كرزكان، البحرين. ١٧ مارس ٢٠٢٠ – ٨:٠٠ مساء.

رغم التحذيرات الصادرة بخصوص تجنب التجمعات وذلك لتفادي انتشار “فايروس كورونا” ، إلّا أن التجمع حول منزلنا تكوّن بسرعة وكأنه التمرد الذي تدفعه العاطفة.
تلقينا اتصالاً من والدي يفيد باستلام أخي من مركز الشرطة بعد العفو الملكي، وبسرعة كبيرة وفي أقل من ١٠ دقائق احتشد الناس حول المنزل لاستقبال أخي بعد قضاءه ٣ سنوات بالحبس.جاء هذا الافراج تزامناً مع وصول الكورونا للبحرين، موجة الافراجات هذه امتدت خلال الثلاثة أيام الفائتة، والتي طالت حوالي الـ٩٠٠ سجين .
تجنب المصافحة والعناق وغسل اليدين واستخدام المواد المعقمة كلها كانت توصيات عُلِّقت على باب المنزل ليقرأها الجميع ،إلا أن العاطفة ذاتها كسرت توصيات العناق والتقبيل .فرح عارم يعتري الجميع وبضحكات ملؤها الدموع ، ورائحة المشموم المختلطة برائحة المعقّم ممتزجة بعباءات النسوة اللاتي التففن حول أخي وسط أغانٍ وتهاليل.

كنت أرى أمي وهي تحتضن أخي بقدمين لا تقويان على الوقوف ، وحنان لا يحمله الأرض وفرحة لا تحملها السماء.وبشوق كبير يشوبه الخوف والقلق ،عانقت أخي بسعادةٍ وحمد. © زينب الزين
© زينب الزين

دمستان، البحرين. ٢٠ مارس ٢٠٢٠ – ١١:٠٠ صباحا.

عجّ سوق دمستان الشعبي لبيع الخضار والأسماك بالمشترين وامتلأت الطرق المحيطة به بالمركبات، وذلك بعد انتشار مقطع مصور لأحد الباعة يهيب بالناس أن تهرع للسوق قبل أن يتم إغلاقه كأجراء احترازي لمنع انتشار ”فايروس كورونا”.
المركبات كانت منتشرة بشكل غريب، استغرق مني عبور بعض أمتار حوالي الـ١٠ دقائق خروجاً من حينا الى السوق.وجوه المارة كانت ملأى بالخوف والوجل، بالرغم من ذلك كلّه مازال الباعة يبتسمون ، يمازحون بعضهم ،وبنشاطهم المعهود.إلا أن الجو العام ومنظر الناس والمركبات كان يبعث على القلق.حدثّني أحد الباعة برضا : لا نعلم ماذا سنصنع غداً ،ربما سيستدعي الأمر أن نوصل الأسماك من منازلنا الى المشترين.
الجدير بالذكر ،أنه لم يتم اغلاقه وقد سمح للباعة بالبقاء ومزاولة العمل.

© زينب الزين

حسن النشيط

المنامة، البحرين. ٢٠ مارس ٢٠٢٠.

© حسن النشيط

سوق المنامة تلك الحيوية التي تكتسبها من خلال مقاهيها العريقة حيث أنها تتوزع على أطراف السوق القديمة وفي عمقه .. تلك المقاهي التي أصبحت الملاذ الأمثل لكثير من البحرينيين عوائل وفرادى بمختلف أصولهم وانتماءاتهم .. لكثير من الوافدين والزائرين الذين ألفوا المكان ، و استأنسوا به ، فوجد الكثير منهم  فيه ضالته . كنت أذهب في نهاية عطلة الأسبوع لإلتقاط الصور في سوق المنامة .. كانت المقاهي تعج بالناس .. رنين الملاعق في الكاسات .. وأصوات الصحون والأواني .. وأحاديث صاخبة .. وأحيانا مناوشات مع أصحاب المقاهي على طلب المقاعد والطاولات الفارغة بعد طول انتظار .. جلبة العمال وأحاديث الناس .. كلها في لحظة ما اختفت يوم الجمعة الموافق ٢٠ مارس ٢٠٢٠.

© حسن النشيط
© حسن النشيط

قهوة حاجي .. تلك التي تجمع الكثير من العوائل والشيوخ والشباب .. والتي كأنها تعمل بنظام المناوبة .. كانت تفتح مع أول إشراقة الشمس .. ولا تغلق إلا مساء عند الثامنة والنصف تقريبا .. كانت الأبواب كلها مغلقة .. قسم العوائل والأقسام الأخرى .. زهير حاجي يتواجد اليوم وحيدا مع ثلة قليلة من الموظفين الذين اتخذوا الكراسي مكانا للجلوس .. اليوم استراحة طويلة .. قال زهير لي : مثلما ترى .. لا أحد .. لا زبائن .. لا حركة .. لا شيء حتى الان .. قال ذلك بصوت فيه نبرة حزن .. ما كان متعودا على هذا الوضع .. ربما لم يتخيله أيضا .. وإن تخيله فلم يكن بهذه الصورة .. إلتقطت له صورة ولعماله أخرى .. وللمكان .. لم أرى المقهى يوما بلا أحد إلا عندما تخمد سوق المنامة ليلا من كل أحد.

© حسن النشيط
© حسن النشيط
© حسن النشيط

ليس هناك أشد وقعا على مصور الشارع أن يرى الأماكن خالية .. ماذا يصور وهو الذي يبحث عن العنصر البشري .. الذي يمد صورته بالحياة .. فينتعش المكان .. وتكون الصورة أكثر عمقا .. لكن يبدو أن الواقع في زمن الكورونا أشد واقعية .. وهو ما يجعل الصورة لها أثرها ولو بعد حين .

حسين الكميش

المرخ، البحرين. ٢٠ مارس ٢٠٢٠.

© حسين الكميش

إمتثالاً للتوجيهات الصادرة من الجهات الرسمية بإيقاف التجمعات للحد من انتشار فايروس كورونا (كوفيد-١٩)، علقت الطائفة الشيعية الحضور بالمآتم والمساجد وبدؤوا بتنظيم الفعاليات والمحاضرات الدينية وبثها مباشرة أو مسجلةً على شبكات التواصل الاجتماعي وذلك بهدف مواصلة النشاط الديني والثقافي والإجتماعي ولملئ الفراغ الحاصل لدى الناس جراء تعليق هذه التجمعات المعهودة. وبث برامج مفيدة لتقضية الوقت في المنازل.
الصور من وفاة الإمام موسى الكاظم (ع) الإمام السابع لدى الشيعة الإمامية، توضح خلو المأتم الذي كان دائماً يضج بالحضور أمسى بوجود ما لا يتجاوز ١٠ أشخاص لتنظيم وترتيب البث المباشر وتبين التقنيات المستعملة للبث المباشر بسواعد الشباب المتطوع لإيصال الرسائل، حيث شاهد البث ما يقارب ٨٠٠ شخص في آنٍ واحد من داخل البحرين وخارجها.

© حسين الكميش
© حسين الكميش
© حسين الكميش
© حسين الكميش

حسين الموسوي

المالكية، البحرين. ٢٠ مارس ٢٠٢٠.

© حسين الموسوي

تعم الفوضى في منزلنا من الصباح الباكر، بعد أن بات أبناء أختي مع جدتهم (والدتي). تعمل أختي في مجمع السلمانية الطبي وهو ما يمنعها من البقاء مع أبناءها في المنزل بعد أن اقفلت جميع المدارس. حضورهم دائما ما يكون مصحوبا بالفرح والفوضى العارمة، فيبدأ صباحهم بتناول وجبة الافطار التي تعدها والدتي لهم، وبعدها يقضون وقتهم في اللعب على أجهزة الآيباد أو البليستيشن، وبين طلبات الاطفال التي لا تنتهي، وعراكهم المستمر، تحاول أمي أن تشغل أوقاتهم بأنشطة مختلفة كمساعدتها في زراعة قطعة الارض التي امام منزلنا أو تنظيف المنزل. 
مع اقتراب نهاية الاسبوع، يكون التعب قد أخذ مأخذه من والدتي، وسرعان ما يتحول الاعتناء بهم إلى مهمة مجهدة. هذا ما تعلنه أمي بعد صرخات التوبيخ لهم. من حسن حظنا أن شاطئ البحر يقع على بعد ٧٠٠ متر فقط من منزلنا، وهو ما يتيح لي اصطحابهم للشاطئ والبقاء في عزلة بنفس الوقت.

الهملة، البحرين. ٢٤ مارس ٢٠٢٠.

© حسين الموسوي

أعلنت وزارة الصحة البحرينية عن تسجيل ثالث حالة وفاة بين المصابين بفيروس كورونا «كوفيد ١٩» تعود لمواطن بحريني يبلغ من العمر ٦٥ عامًا. صادف تلك الليلة مروري بقرية الهملة لأشهد عن بعد اجراءات دفن الحاج عيسى الهدار من قبل فريق طبي وتحت تشديد أمني حفاظا على سلامة الناس.
في ظلمة الليل، فرض هذا الوباء وحدة قاسية في مواجهة هذا المصاب، لم تتم مراسم الدفن المعتادة وإقامة مجالس العزاء كما هو المتعارف عليه. إنما اكتفى الناس بالتواصل والتعزية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

© حسين الموسوي

شاركنا افكارك