IMG_9476-Web-8-1024x768.jpg

شموعٌ لم تُطفأْ

بقلم شيماء الوطني
تصوير خالد آل عباس – محمد آل عباس

وكأن العالم قد انحرف عن المسار الذي اعتدناه..
لا أيامنا هذا العام تشبه أيام عامنا الذي مضى من قريب أو بعيد، ولن  تشبه بالتأكيد أيامنا القادمة!
الأيام مختلفة، الظروف مختلفة، كل شئ مختلف، ولذلك كان عيده مختلفاً هو الآخر !!

لم يطفئ الشموع، ولم يقطع الكعكة حتى أنه لم يقترب منها، كل نصيبه من الاحتفال كان تهنئة بقيت معلقة بفضاء المسافة التي تبعد بيننا وبينه!

حين يكون القرب بُعد، والبُعد قرب!

كان قد مضى أكثر من شهر كامل منذ أن عاد إلى البحرين آخر مرة!
اعتدنا على وجوده بيننا في نهاية كل أسبوع، حيث يعمل طوال أيام الأسبوع  في مسقط، وبعد أن أقفل مطار مسقط الدولي أبوابه وما من رحلات تأتي أو تغادر؛ أصبحت عودته مستبعدة.
لكن الأمل بعودته تجدد بعد رسالة وصلته من السفارة البحرينية في مسقط لتأمين عودة من يرغب بالعودة من هناك.

بداية النهاية لمرحلة العزل.
أن تحضنك أمك بعينها!

تقررت الرحلة في يوم الجمعة عند الساعة العاشرة صباحًا بتوقيت المنامة. تهيأنا لكل الظروف والاحتمالات، وتقبلنا أن يكون لقاءً بارداً بلا أحضان ولا قبلات، كان يكفينا أن يكون بيننا!
نعلم أنه بمجرد هبوط الطائرة؛ فإن عليه إجراء فحص الفيروس اللعين، وستقرر نتيجة الفحص مصيره..
فإما العزل المنزلي أو الحجر في أحد المحاجر العامة.
تلقيت رنين هاتفه بفرح بعد أن هبطت الطائرة، أخبرني أن عليّ الانتظار حتى ينتهي من إجراء الفحص.
وبالقرب من مطار البحرين؛ بقيت انتظره في السيارة  لساعة كاملة!
شعرت بعدها بقلق مباغت فعاودت الإتصال بهاتفه فلم أجد جواباً، كانت وتيرة القلق قد ارتفعت في داخلي، ولم أعرف كيف سأتصرف..
بعد دقائق معدودة جائني صوته واهناً، ليخبرني بتعرضه لإغماء مفاجئ نتيجة هبوط للسكر؛ وفي ظل الظروف الغير اعتيادية تقرر نقله بسيارة إسعاف إلى مستشفى السلمانية.
وبدلاً من لقاءه بعد ثلاث ساعات من إقلاع طائرته القادمة من مسقط، أرجأ اللقاء لأكثر من ست ساعات قضاها في المستشفى، ليخرج بعدها إلى البيت حيث تبدأ فترة العزل المنزلي التي ستستمر لأربعة عشر يوماً.

الاقتراب الحذر!
كل شوق يسكن باللقاء لا يعوَّل عليه.

كنا قد بحثنا وقرأنا عن شروط وقواعد العزل المنزلي، ولذلك انتقلت إلى غرفة أخرى بعد أن تركت له غرفة نومنا الرئيسية لتكون مقر إقامته.
ومنذ لحظة دخوله للبيت بدأت رحلته مع البرنامج اليومي الذي قرر اتباعه طوال فترة بقاءه في العزل، يستيقظ في الصباح ويبدأ التواصل مع زملاءه في العمل عبر الانترنت، ويمضى بقية الوقت بعد دوامه الرسمي،  بالقراءة أو مشاهدة التلفزيون، وممارسة بعض التمارين الرياضية.
كنت قد هيأت له غلاية كهربائية لعمل الشاي، وتركت له بعض الأطعمة بالإضافة إلى قناني الماء، أما وجباته الرئيسية فكنت أحملها إليه  وأتركها عند باب الغرفة.

ورغم أنه على بعد خطوات قليلة منا؛ إلا أننا كنا نفتقد وجوده بيننا؛ فقد كنا نشعر بأن باب الغرفة يقف حائلًا بيننا وبينه؛ خاصةً حين نجلس على مائدة الطعام.
قررنا بعد فترة من الوقت أن نتحرر من شروط العزل وجعلناه ينضم إلينا عبر شاشة الآيباد!
الهاتف كان وسيلتنا للتواصل معه، وبقينا نتطلع لليوم الذي سيخرج فيه من عزله.

في اليوم المرتقب؛ انطلقنا نحو مركز الفحص في مركز المعارض يملأنا الأمل أننا على بعد خطوة واحدة من نهاية رحلة العزل..
اليوم وبعد انتهاء تجربة العزل التي مررنا بها جميعاً، نسترجع لحظاتها ومفارقة أن نكون معاً دون أن نكون!
أن تكون بيننا جدران سميكة، دون أن تفصلنا، وأن نهتم لسلامة آخرين محبة منا لهم؛ وبإسم ذلك الحب نترك مسافةً بيننا وبينهم!
وقبل كل ذلك سيبقى السؤال حاضراً، هل يقاس البُعد بالمسافة؟

عزل في المنزل، وعمل من المنزل!

شاركنا افكارك